جورج إبراهيم عبد الله.. الحريّة التي لم تنكسر خلف القضبان

في الزنازين المعتمة، حيث يُراهن السجّان على تآكل الروح وتفتّت العزم، وُجد رجل اسمه جورج إبراهيم عبد الله. لم يكن مجرّد سجينٍ لبناني في المعتقلات الفرنسية، بل أيقونة عربية حيّة، تجسّد كيف يمكن للحديد أن لا يُفلّ من إرادة، وكيف يمكن لأسوار العزلة أن تُخصب العقل لا أن تميته.
منذ اعتقاله عام 1984، وهو يُسجن بتهمة الانتماء إلى “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”، ويُحاكم لأنه قاوم، لأنه قال لا، ولأنه رأى في مقاومة الظلم هوية وليست خيارًا. ومع كل عام يمضي من عمره خلف القضبان، كان جورج لا يضعف ولا يتراجع، بل يتجذر أكثر في قناعته، ويتسع في رؤيته، حتى غدا رجلًا من نار، لا تحرقه النار.
ثمة أسرى إذا سُجنوا تلاشت ملامحهم وتبخرت ظلالهم. لكن جورج كان عكسهم. خرج من السجن، وقد صار أكثر صلابة، وأكثر حكمة، وأكثر ثورية. لم تَخِبْ شعلةُ الوعي في روحه، بل نضجت كما تنضج النار في رمادها وتنتظر الريح.
ولعلّ أقوى ما قاله، وأكثر ما هزّ القلوب المتيقظة، هي كلماته التي أطلقها كسهامٍ في خاصرة الطغيان:
“إسرائيل تعيش آخر فصولها…”
قالها وهو يعلم أن الزمن لا يرحم الباطل، وأن من يبني كيانه على الدم، لا بدّ أن يسقط عليه الخراب من داخله. قالها لا بوهم الأمنيات، بل بعين من قرأ التاريخ وسبر الحاضر واستشرف النهاية.
في ملامح جورج، بعد كل تلك السنين، ترى وطنًا يقف على قدميه. وفي صوته، تسمع لغة الأحرار. لم يكن جرحه علامة ضعف، بل وسامًا على صدر الحقيقة. وهو حين يتحدث عن فلسطين، وعن العدالة، وعن الشهداء، تشعر أن سجنه لم يكن خسارة… بل كان تدريبًا في مدرسة الوعي والصمود.
إن جورج إبراهيم عبد الله ليس مجرّد سجين سابق، بل شهادة حيّة على أن الثورة الحقيقية لا تُهزم، وأن الرجال الكبار يصنعون من العذاب بوصلة، ومن الزمن سلاحًا. لقد خرج من السجن وفي عينيه نفس الضوء الذي دخل به، لكنه صار أكثر اتقادًا، وأكثر رسوخًا، وأكثر إيمانًا بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن فلسطين قادمة، لا محالة..
أجل.. ستعود فلسطين.. كل فلسطين.. نقية أبية.. طاهرة ندية.. أما الصهاينة الأوغاد فمصيرهم الى مزبلة التاريخ..



